العيني
249
عمدة القاري
تخالف آخرها حيث حكم بدونها ، قلت : لا تخالف لأن الخصم اعترف بذلك مع أن المال لرسول الله له أن يعطي من شاء ويمنع من شاء . قال لِي عَبْدُ الله عنِ اللَّيْثِ : فَقامَ النبيُّ فأدَّاهُ إلَي 1764 ; عبد الله هو ابن صالح كاتب الليث بن سعد ، والبخاري يعتمده في الشواهد . قوله : فقام ، يعني موضع فأمر . وقال أهْلُ الحِجازِ : الحاكِمُ لا يَقْضِي بِعِلْمِهِ شَهِدَ بِذالِكَ في وِلايَتِهِ أوْ قَبْلَها ، ولَوْ أقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ لآخَرَ بِحَقَ في مَجْلِسِ القَضاءِ فإنَّهُ لا يَقْضِي عَلَيْهِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ حتَّى يَدْعُو بِشاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُما إقْرارَهُ . وقال بَعْضُ أهْلِ العِراقِ : ما سَمِعَ أوْ رآهُ في مَجْلِس القَضاءِ قَضاى بِهِ ، وما كانَ في غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إلاّ بِشاهِدَيْنِ وقال آخَرُونَ مِنْهُمْ : بلْ يَقْضِي بِهِ لأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ ، وإنَّما يُرادُ مِنَ الشَّهادَةِ مَعْرِفَةُ الحَقِّ . فَعِلْمُهُ أكْثَرُ مِنَ الشَّهادَةِ . وقال بَعْضَهُمْ : يَقْضِي بِعِلْمِهِ في الأمْوالِ ولا يَقْضي في غَيْرِها . أراد بأهل الحجاز مالكاً ومن وافقه في هذه المسألة . قوله : ولو أقر خصم إلى قوله : فيحضرهما إقراره ، بضم الياء من الإحضار ، وهو قول ابن القاسم وأشهب . قوله : وقال بعض أهل العراق أراد بهم أبا حنيفة ومن تبعه ، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكية ، وقال ابن التين : وجرى به العمل ، ويوافقه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن سيرين قال : اعترف رجل عند شريح بأمر ثم أنكره ، فقضى عليه باعترافه ، فقال : أتقضي عليّ بغير بينة ؟ فقال : شهد عليك ابن أخت خالتك يعني نفسه . قوله : وقال آخرون منهم أي : من أهل العراق ، وأراد بهم أبا يوسف ومن تبعه ، ووافقهم الشافعي ، رحمه الله تعالى . قوله : وقال بعضهم يعني من أهل العراق وأراد بهم أبا حنيفة وأبا يوسف فيما نقله الكرابيسي عنه . وقال القاسِمُ : لا يَنْبَغِي لِلْحاكِمِ أنْ يُمْضِيَ قَضاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمٍ غَيْرِهِ ، مَعَ أنَّ عِلْمَهُ أكْثَرُ مِنْ شَهادَةِ غَيْرِهِ ، ولاكِنَّ فِيهِ تَعَرُّضاً لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِندَ المُسْلِمِينَ وإيقاعاً لَهُمْ في الظُّنُونِ ، وقَدْ كَرِهَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الظَّنَّ فقال : إنَّما هاذِهِ صَفِيَّةُ القاسم إذا أطلق يراد به ابن محمد بن أبي بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، قاله الكرماني : وقال بعضهم : كنت أظن أنه ابن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة لأنه إذا أطلق في الفروع الفقهية انصرف الذهن إليه ، لكن رأيت في رواية عن أبي ذر أنه : القاسم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود ، فإن كان كذلك فقد خالف أصحابه الكوفيين ووافق أهل المدينة . انتهى . قلت : الكلام في صحة رواية أبي ذر على أن هذه المسألة فقهية ، وعند الفقهاء إذا أطلق القاسم يراد به القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، ولئن سلمنا صحة رواية أبي ذر فإطباق الفقهاء على أنه إذا أطلق يراد به ابن محمد بن أبي بكر أرجح من كلام غيرهم . قوله : أن يمضي بضم الياء آخر الحروف من الإمضاء ، هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : أن يقضي . قوله : دون علم غيره أي : إذا كان وحده عالماً به لا غيره . قوله : ولكن فيه تعرضاً بتشديد النون ، وتعرضاً منصوب لأنه اسم لكن ، وفي بعض النسخ بالتخفيف فعلى هذا قوله : تعرض ، بالرفع وارتفاعه على أنه مبتدأ ، وخبره . قوله : فيه ، مقدماً . قوله : وإيقاعاً نصب عطفاً على : تعرضاً ، وقال الكرماني منصوب بأنه مفعول معه والعامل هاهنا ما يلزم الظرف . قوله : وقد كره النبي الظن . . . ذكره في معرض الاستدلال في نفي قضاء الحاكم في أمر بعلمه دون علم غيره ، لأن فيه إيقاع نفسه في الظن ، والنبي كره الظن ، إلا يرى أنه قال للرجلين اللذين مرا به وصفية بنت حييّ زوجته معه : إنما هذه صفية على ما يأتي الآن عقيب هذا الأثر ، إنما قال ذلك خوفاً من وقوع الظن الفاسد لهما في قلبهما ، لأن الشيطان